الثقافة الإسلامية
2017-05-19 2:00 PM : التاريخ

عمان اليوم -
جميل النمري

تم اختيار عمان هذا العام عاصمة الثقافة الاسلامية، وكما هو متوقع ستكون مناسبة لدحض خطاب التطرف والكراهية وإعلاء شأن خطاب اسلامي يقوم على الانفتاح والتسامح وهو موضوع الساعة والهمّ المركزي في بلداننا.
لننتبه ان "الثقافة الاسلامية" مفهوم أوسع كثيرا من "الثقافة الدينية". إنها ثقافة المجتمعات الاسلامية بعمومها يندرج تحتها الانتاج الثقافي والأدبي والفني في العالم الاسلامي والأفكار والعادات والأعراف والسلوكيات، كل ذلك هو ثقافة شعب أو أمّة. والتاريخ العربي الاسلامي مثل تاريخ بقية الشعوب والحضارات يحتوي الغث والسمين، وفيه مراحل وصفحات مشرقة أغنت البشرية ومراحل وصفحات بائسة ومظلمة، وما أشبه الليلة بالبارحة، فنفس المدرسة التي اغلقت باسم الدين دور العلم وقتلت المفكرين وأحرقت كتبهم وأغرقت المجتمع بالظلمة والجهالة في مراحل من التاريخ الاسلامي عادت نفسها اليوم. ولا شك أن الثقافة الدينية نفسها في محنة بسبب تسيد نوع من الخطاب الديني سهل التداول والتمرير لأنه يغيب العقل والحقيقة ويحلّق بالغيبيات والخرافة. والخطاب السلفي المتشد ما يزال يجذب ويبهّر الأغلبية وله رموزه من نجوم الفضائيات وأدواتها الوفيرة ومنها وسائل التواصل الاجتماعي.
إنه لأمر لا يصدَّق كيف ان أناسا بمستوى تعليمي عال؛ اطباء ومهندسين وجامعيين، من مختلف التخصصات يتداولون على صفحات التواصل الاجتماعي كتابات تؤجر العقل بالكامل، يتداولون بلا كلل كلام خرافة وبين يديهم أحدث أداة انجزها العلم وليس الخرافة وأقصد الهواتف الذكية. اشارك في دزينتين من المجموعات على الواتس أب وأجد ان ثلاثة ارباع المحتوى هو تداول لمواد ذات طابع ديني منقول ليس له أساس موثق ولا مراجع محددة، وهو يناقض العلم والعقل والمنطق ويدّعي وقائع تخلط فيها الأوراق بين العقل والخرافة ثم يأخذك بالوعود أو بالوعيد لاعادة نشرها لعدد كذا للحصول على العدد كذا من الحسنات، ولا من وكيف أحصى هذا العدد "المحدد" من الجوائز الربانية أو الحسنات. كلام يسيل كالأنهار بلا حساب على يد عدد كبير من مستخدمي هذه الوسيلة التي اخترعها لنا الكفار.
خلال هذا الأسبوع تلقيت من أكثر من مصدر تعليقا وصورة ملفتة: صيادون يشقون بطن حوت فتندفع منه الأبخرة ثم الأحشاء. وحسب التعليق فسبب ذلك ان درجة الحرارة في بطن الحوت هي الف درجة مئوية. فانظر المعجزة في بقاء النبي يونس حيا في بطن الحوت. لكن المعجزة لا تحتاج إلى براهين علمية، فالمعجزة تبقى معجزة خارج سياق الطبيعة، وهي لا تحتاج الى درجة حرارة ألف. غير أن العلم أمر مختلف، فأي كائن في بطن الحوت سيموت بسبب الاختناق والانزيمات التي ستهضمه. لكن كيف لشخص متعلم ان يقبل بتداول حكاية كهذه. ان درجة حرارة الف تكفي لحرق اللحم والعظم وكل مادة عضوية. هكذا تستخدم القصة الدينية (موجودة في القرآن وفي العهد القديم – التوراة) للحط من شأن الحقائق العلمية وتغييبها. والثابت أن هذا الخلط بين العلم والدين يؤذي العلم والدين معا، اذ يجب إبقاؤهما حقلين منفصلين لكل منهما مساقه وسياقه ومعاييره الخاصة غير القابلة للتطبيق على الآخر. فالمعجزات لا تفسر علميا، ولا العلم يفسر دينيا، والخلط بين الحقلين هو ورطة تساوي البقاء في الجهالة والتخلف. كما ان خلط الدين بالسياسة يسيء اليهما كليهما وينقض الديمقراطية ويقود الى الحروب الدموية الطائفية والاستبداد.
هناك حقبات منيرة وعظيمة في التاريخ العربي الاسلامي، واي دراسة لها توضح ان التدين وقتها ارتبط بالانفتاح ونبذ التشدد والتعصب والانغلاق، وأخذ بالتلاقح المبدع مع الثقافات الأخرى. واليوم فإن معركة الثقافة الاسلامية هي استعادة ذات الروح التي تسيدت حقبات الازدهار والتقدم الاقتصادي والعلمي والاجتماعي في تاريخ العرب والمسلمين.


لا يوجد تعليقات
 

الاسم  
البريد الالكتروني
نص التعليق

الرجاء النقر على المربع في الاسفل
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ويحتفظ موقع 'عمان اليوم' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ، ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة او خروجا عن الموضوع المطروح
جميع الحقوق محفوظة لموقع "عمان اليوم"
لا مانع من النشر والاقتباس شريطة ذكر المصدر