«البؤساء» رواية أيقظت مارد الفقراء والمقهورين
2017-04-20 10:17 AM : التاريخ

عمان اليوم
عمان اليوم -

كثيرة هي المؤلفات التي يمكن أن تتحدث عن تشويه الروايات العظيمة، لكن أبرزها بلا منازع ستحتله رائعة روائي الحقبة الرومانسية الفرنسية فيكتور هوغو، «البؤساء».

ونادرةً هي الأعمال الأدبية التي تعرضت للانتقاد على يد سلسلةٍ من الناشرين والمترجمين والمخرجين ومنتجي الأعمال المسرحية، بقدر ما تعرضت له هذه الرواية، على حدّ قول الكاتب ديفيد بيلوس الذي قدّم في عمله الأخير بعنوان «رواية القرن: المغامرة الاستثنائية للبؤساء»، سرداً تأريخياً جديداً مذهلاً لتحفة هوغو الأدبية الممتدة على 1500 صفحة.

تشويه وحذف

وصدرت عام 1862 رواية «البؤساء» في فرنسا، وظهرت في العام نفسه النسخة الإنجليزية منها في نيويورك، وذلك بفضل عالم الآثار المصرية تشارلز ويلبور، الذي انتهى من ترجمتها في ستة أشهر.

إلا أنه بدت منذ ذلك الحين، مؤشرات مقلقة تدلّ على أن الرواية ستتخذ دروباً مختلفة تجسدت بوادرها في إصدار نسخةٍ مقرصنة من ترجمة ويلبور في ريتشموند بفرجينيا، حيث لا يراعى تطبيق قانون الاتحاد المتعلق بحقوق النشر.

وحذف من الرواية كل ما أورده هوغو حول شرور الاستعباد والعبودية.. وانتشرت رواية هوغو المزيفة في ولايات الجنوب لتحقق نجاحاً ساحقاً، مما حدا جنود التحالف المتشائمين التابعين للقائد روبرتس لي، إلى اتخاذ لقب «البؤساء» لأنفسهم.

ترجمات «خانت الأصل» يروي بيلوس في كتابه أيضاً كيف عمد صنّاع الأفلام حول العالم إلى خيانة النص الأصلي «وإعادة إدراج النقاط التي تعمد هوغو حذفها»، تحديداً تلك المتعلقة بالدين. فعلى الرغم من أن المؤلف الفرنسي قد أعرب عن إيمانه بالله، إلا أنه لم يعتنق أية ديانة وظل مصمماً، على حدّ قول بيلوس، على ألا يسمح للكنيسة الكاثوليكية بأن «تعتقد بأن لها دوراً في الانحراف الديني المبهم إنما الراسخ في رواية (البؤساء)».

كما أن قرار توم هوبر البائس عام 2012 بتصوير بعض مشاهد الفيلم الموسيقي الدرامي البريطاني المقتبس عن مسرحية موسيقية تحمل اسم رواية هوغو في كاتدرائية ونشستر، جاء متناقضاً مع القصة.

تناقض

وينطوي العمل المسرحي الشهير «ليه ميز» ربما، وكما يشير بيلوس، على التشويه الأكثر فداحةً، بحيث يوقع السيد والسيدة تيناردييه، اللذين يمثلان بطلي القصة، في سقطةٍ كوميديةٍ نافرة تتناقض مع معاملة هوغو للزوج الذي يدير النزل، ويعمد إلى ابتزاز بطل الرواية جان فالجان.

ويبرز كتاب بيلوس متقناً في البحث وبليغاً في الأسلوب، وبمثابة عمل تصحيحي معتبر بواجه أنواع التحريف والتشويه التي لحقت ب"البوؤساء". ومن السهولة بمكان أن نتبين عشق بيلوس الشغوف باللغة لروايةٍ هوغو. فالمترجم إنجليزي المولد نقل أعمالاً لجورج بيريك وإسماعيل قادري.

19

ونتبين أن المدلول الذي يطرحه عنوان بيلوس في كتابه عن «البؤساء»، هو كونها أبرز رواية في القرن ال19 وتحظى بنقاشات على نطاق واسع، وليس أقله لما أثبتته من تأثير عميق على المجتمع الفرنسي. وشدد بيلوس على أربعة مكتسبات سياسية أشار الكتاب إلى تبنيها من قبل الحكومات الفرنسية من كل الاتجاهات السياسية على مدى الأعوام المئة والخمسين الماضية.

وتضمنت فيما تضمنت، السماح بعودة دمج المحكومين في المجتمع دون وسم سجلاتهم بنقطة سوداء أبدية، أو كما في حالة جان فالجان بطل الرواية، إلغاء «جواز سفره الأصفر» الذي يعقّد عملية العثور على طعام يقتات به، ومسكن يؤويه وعمل يكسب رزقه منه.

كما انعكست التأثيرات تعديلاً في قانون العقوبات لتمييز الجرائم النابعة من حاجة، بمعنى أنه لا يتم الحكم، على سبيل المثال، على سارق الخبز بهدف إطعام أولاده الجوعى بالأعمال الشاقة لمدى الحياة. كما أتاحت توفير المزيد من فرص العمل لغير المتعلمين، وبناء مدارس للفقراء مع جعل التعليم الأساسي «عالمياً وإلزامياً».

سيرة جزئية

ويكتسب كتاب بيلوس قيمة مضاعفة بوصفه سيرة جزئية مذهلة لحياة هوغو، حيث يطالعنا روائي يتحلى بشجاعة التعبير عن معتقداته. وأعطى هوغو روايته عنواناً مبدئياً «المآسي»، وأخذ يكتب فصولها بشكل متقطع بين نوفمبر 1845 وفبراير 1848، إلا أنه نحاها جانباً حين اندلعت موجة تظاهرات الشوارع في باريس، وتمخضت عن فوضى أشبه بالثورة المصغرة.

ومن المدهش بالفعل أن تكون «البؤساء» قد نجت من سيل الأهوال التي تعرضت لها، إذ إنه خلال أحداث الشغب اقتحم لصٌّ منزل هوغو الباريسي بينما كان خارجاً. وكتب بيلوس تعقيباً يقول: «وفيما كان الرجال الغاضبون على وشك سلب محتويات المنزل وقع نظر أحدهم على عريضة تعلو كومةً من الأوراق، عبارة عن نداء عفو عن المتمردين في مدينة لو هافر الفرنسية، أما الأوراق التي كانت أسفل العريضة فليست إلا محتوى رواية (المآسي)».

ولم يعد هوغو إلى متابعة كتابة روايته إلا بعد 13 عاماً، أي أثناء فترة إقامته في جزيرة غيرنزي التابعة للتاج البريطاني عقب طرد نابوليون الثالث له من فرنسا، وقد أن اتهمه باغتصاب السلطة.. ولم يعد هوغو إلى فرنسا حتى العام 1870، أي بعد انتهاء مرحلة حكم نابوليون المغضوب عليه. وكانت روايته حينذاك قد رست على سكة الديمومة الواعدة بالصمود أكثر من الحكام جميعاً.

 


لا يوجد تعليقات
 

الاسم  
البريد الالكتروني
نص التعليق

الرجاء النقر على المربع في الاسفل
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ويحتفظ موقع 'عمان اليوم' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ، ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة او خروجا عن الموضوع المطروح
جميع الحقوق محفوظة لموقع "عمان اليوم"
لا مانع من النشر والاقتباس شريطة ذكر المصدر