هذا ما حدث مع عطوة
2017-03-20 11:31 AM : التاريخ

عمان اليوم
عمان اليوم -

ها قد مضى من الشهر نصفه أو يزيد، فعطوة لا يهتم لحساب الأيام وتواريخها، ولكنه يعلم تماما أنه لم يبق من الراتب الذي يتقاضاه من التنمية الاجتماعية سوى بضعة دنانير... وهذه الدنانير القليلة لا تكاد تفي سدادا لمديونيته للبقالة التي يشتري منها مؤونته وأغراضه... هذا عدا الأجور المكسورة عليه والمترصدة بذمته لصاحب البناية نظير سكناه في هذه الغرفة الرطبة المظلمة الواقعة في أسفل درج البناية...

كان عطوة يعرج في مشيته معتمدا على رجله اليمنى وقليلاً على رجله اليسرى.. كان عائدا إلى غرفته في أجواء باردة، وتساقط خفيف للمطر... فنحن في منتصف شهر كانون الأول والسماء متلبدة بغيوم ثقيلة داكنة، وكأن نفس عطوة الكئيبة في ذلك الوقت كانت تتماهى مع ضبابية ذلك الجو وانسداده.. فقد كان عطوة يفكر بينه وبين نفسه ويعيد التفكير... أيعطي البقال هذه الدنانير القليلة سدادا لبعض مديونيته، أم يدفعها جزءا من الأجور المكسورة لصاحب البناية منذ أكثر من ثلاثة شهور؟!

وها هو قد وصل إلى غرفته متلفعا بمعطفه السميك الخشن، فوضع دلوه وممسحته أسفل المغسلة الواقعة لصق الجدار الخارجي لغرفته.. ثمأادار المفتاح في قفل الباب فدخل وأشعل نور غرفته الخافت ثم أشعل دفايته المتواضعه في حرارتها، عساه يضفي على جو الغرفة بعض الحرارة والدفء.. ثم ألقى بجسده على سريره الخشبي وراح ينقّل طرفه بين سقف الغرفة الشاحب وجدرانها المتآكلة وكأنها وجه آدمي مجدور...

وبينما هو على هذه الحال إذ سمع طرقا خفيفا على الباب، فنهض متثاقلا.. يعرج في مشيته، ذلك العرج وتلك الإعاقة التي أقعدته عن الحصول على عمل.. أي عمل، فكان يعمل على غسل سيارات بعض سكان البناية عساه يزيد في دخله المتواضع من التنمية الاجتماعية.. وهكذا ما إن فتح عطوة الباب حتى كان حارس البناية بمواجهته، وقد بادره قائلا وهو مغضب ومتوتر: «يا عطوة، لقد حضر صباح هذا اليوم صاحب البناية، وكان غاضبا ومنفعلا، يريد منك سداد الأجور المترصدة له بذمتك، وزاد على ذلك بأن طلب مني أن أخبرك بضرورة إخلاء الغرفة في أقرب وقت».

لم يحر عطوة جوابا، فقد أخرج الدنانير القليلة من جيبه وناولها للحارس وهو يقول له: «سأحاول أن أخفف من مديونيتي في الأيام القادمة»، وتابع قائلا: «ها أنت ترى أن الطقس كان باردا وماطرا خلال الأيام السابقة ولم أخرج لغسل السيارات إلا في هذا اليوم، وكما تلاحظ فإن الشمس لم تشرق إلا قليلا».

أخذ الحارس الدنانير القليلة من عطوة وأدار ظهره مغادرا وهو يهز رأسه أسفا على عطوة وعلى ما آلت إليه أحواله البائسة..

«طبق» عطوة الباب خلف الحارس وعاد فجلس على حافة سريره.. كان يعاني من جوع شديد.. جوع يقرص معدته وأمعاءه.. وقد استبد به عطش حاد وجفاف في حلقه، عدا الهم والغم اللذين استبدا بنفسه المتعبة.. نزل عن سريره، وتمدد بكليته على أرض الغرفة، ثم مد يده يبحث عن كيس تذكر أنه وضعه سابقا بين أغراضه المتناثرة أسفل السرير, وما إن لمست أصابعه الكيس حتى أخرجه.. كان به بضع كسرات من الخبز الجاف، فأمسك بالكيس بين يديه، وراح يتأمله ثم وضعه بجانبه، وسار يعرج ناحية الجرة الموضوعه بزاوية الغرفة، فغرف منها بعض الماء وأساله في جوفه، وعاد يجلس على السرير مشغول الفكر مهموما..

إنه الآن خجل من نفسه لإخفاقه في تدبير أموره، وسيكون خجلا أكثر إن هو واجه البقال ليشتري منه بالدين غرضا أو مؤونة مهما قل شأنها.. لكن الجوع كان يعرك معدته وأمعاءه، وهو إن بقي على هذه الحال، ولم يُقم أوده بطعام، فلن يستطيع النوم ولا العمل، وهكذا نهض واقفا، وتلفع بمعطفه، وسار يعرج متجاوزا عتبة الباب إلى الخارج وقد وطد العزم أن يذهب إلى البقالة ليشتري حاجته منها..

سار عطوة ببطء ثقيل، ومع مشيته العرجاء كان مَن يشاهده يظن أنه يقتلع قدميه من الأرض اقتلاعا.. فقد كانت الطريق موحلة وقد شكل المطر على أرضها بركا وقنوات قصيرة تتعارض وتتقاطع في مجاريها.. وكان بعض المارة يجتازونها ذهابا وإيابا، وكانت هناك بعض القطط السائبة تتراكض وتتقافز حول حاوية القمامة الموضوعة على ناصية الطريق قبالة البناية..

وما إن قطع عطوة الطريق القصيرة حتى كان يباب البقالة، فاستقبله البقال بأهلا وسهلا، لكنه ترحيب شابه نبرة تهكمية هازئة، فبادره عطوة بالسلام، وقد وقف جامدا صامتا وهو يطالع رفوف البقالة والمعلبات المصفوفة على رفوفها.. ثم توجه إليه متلعثما بالسؤال: أريد علبة سردين... وانتظر عطوة قليلا عسى أن يجيبه البقال على طلبه، لكن هذا الأخير تعكر مزاجه وقطب ما بين حاجبيه وهو يقول: مديونيتك يا عطوة تجاوزت عشرة دنانير, وأنا لا أريد لهذه المديونية أن تزيد على ذلك، فتمسي ثقيلة ولا تستطيع سدادها..

قال عطوة: لا تخش على دينك عندي، فأنت تعلم أنني أغسل السيارات، وسأتدبر أمري إن شاء الله بعد أن يتحسن الجو، فأعاود عملي وأزيد في دخلي.. احتار البقال بماذا يجيبه، فصمت قليلا ثم انعطف على رفوف بقالته فتناول علبة سردين ووضعها بيد عطوة الذي أخذها بدوره وقد أحس بأعماقه وجعا ومهانة، حتى إنه راح يدعو للبقال بالخير والتوفيق.

اطمأن عطوة في قرارة نفسه بأنه مقبل على إسكات جوعه وإرضاء نفسه، فأدار ظهره للبقال وقفل عائدا إلى غرفته، حتى إذا وصلها وقف ببابها ودفعه أمامه ثم استقر جالسا على سريره وقد وضع علبة السردين على جانبه فوق كيس الخبز الجاف..

نهض عطوة وبيده علبة السردين، فوضعها على طبق من جريدة قديمة بسطها على أرض الغرفة، وقد جلب صحنا، ثم فتح علبة السردين وسكبها في الصحن، وراح برأس السكين يزيل القشور والزعانف عن السمك.. ثم يشق كل سمكة إلى نصفين، فيزيل الزرد العظمي وبعض الحسك ويلقي بها في علبة السردين الفارغة بجانب الصحن.. حتى إذا انتهى من ذلك وأصبحت السمكات الصغيرات بزيتها ولحمها سائغة للأكل، فطن لنفسه متأسفا ونادما:

«كان عليّ أن أشتري ليمونة من البقالة، فالسردين لا يستساغ أكله من دون الحامض».

وهكذا فكر بالعودة إلى البقالة ليشتري ليمونة، لكنه تراجع عن فكرته مخافة أن يخذله البقال.. ثم إنه خجل من مواجهته مرة أخرى.. إذ يكفيه أنه ابتاع منه علبة السردين دينا...

نهض عطوة واقفا وحمل كيس الخبز الجاف بيده، واتجه به خارجا من الباب، حيث صنبور الماء فوق المغسلة الواقعة لصق الجدار الخارجي للغرفة... فتح صنبور الماء قليلا، وراح يبلل أطراف أصابعه بالماء، ثم أخرج كسر الخبز، وبدأ ينثر الماء من أطراف أصابعه على وجهي كل كسرة قبل أن يعيدها إلى الكيس.. حتى إذا انتهى من ذلك انعطف داخلا إلى الغرفة وهو ينوي أن يقلب كسرات الخبز المبلولة على شعلة الدفاية، عساها تلين وتستساغ في فمه.. لكن دهشة تملكته، فحملق مذهولا بقطة كانت تلعق زيت السمك من الصحن، وتلتهم لحمها الطري غير عابئة بما حولها... فاستشاط غضبا وراح يلوح بيده مغضبا وهو ينهر القطة التي انهزمت إلى الخارج...

عاد عطوة كسيرا، آسفا، فجلس على حافة سريره وبيده كسرات الخبز المبللة.. كانت ما تزال في الكيس.. لم يفلتها من يده، ولم يقلّبها على نار دفايته.. بل راح يحملق في شعلتها وقد أطال التحديق، ثم هو رفع الصحن وسكب ما تبقى به من الفضلات في علبة السردين الفارغة، وحملها خارجا بها فوضعها تحت المغسلة..

عاد عطوة يجلس على سريره... كان صامتا واجما، فانطرح متمددا على سريره. ومرت اللحظات عليه كئيبة ثقيلة... كان شاخصا ببصره في سقف الغرفه المتآكل، وقد خانته دمعة نزلت من بين جفنيه... ثم لم يعِ أو يشعر بكم مر عليه من الوقت بعد ذلك، فقد راح في إغفاءة عميقة، لم يصحُ منها إلا على طَرق بابه المفتوح مواربة... كان حارس البناية واقفا على عتبة الباب، وقد توجه إلى عطوة قائلا:

«يا عطوة لقد تسلمت للتو إخطارا من المحكمة، يطالبك فيه المالك أن تسدد الأجور المكسورة عليك وإخلاء الغرفة».

تسلم عطوة الاخطار، وحدق به صامتا ذاهلا، ثم أدار ظهره للحارس، وعاد فجلس على حافة سريره الخشبي، وراح لوهلة ينقّل بصره بين جدران غرفته وشعلة دفايته الخافتة، وقد تملكته كآبة وحيرة، ملكتا عليه حسه وتفكيره، وسرح بصره في الفراغ عبر باب غرفته المفتوح.. كانت عيناه جامدتين جافتين لا حياة بهما ولا دموع..


لا يوجد تعليقات
 

الاسم  
البريد الالكتروني
نص التعليق

الرجاء النقر على المربع في الاسفل
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ويحتفظ موقع 'عمان اليوم' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ، ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة او خروجا عن الموضوع المطروح
جميع الحقوق محفوظة لموقع "عمان اليوم"
لا مانع من النشر والاقتباس شريطة ذكر المصدر