ذاكرة من ورق
2017-03-20 11:30 AM : التاريخ

عمان اليوم
عمان اليوم -

نظرت إلى المرآة. لم تستطع أن تعرف نفسها.

تحسست خطوطاً شقت طريقها على وجهها وكأنها خريطةٌ للزمن الماضي وآثاره.

متى تغيرت ملامحها؟

لم تعد ابنة العشرين!

متى غزا البياض شعرها؟

ما الذي حلّ بشعرها الطويل الفاحم؟

أغلقت عينيها محاولةً السيطرة على فوضى اجتاحتها.

أحسّت بتلك الغرفة تضيق شيئاً فشيئاً..

أين أنا؟

جالت ببصرها في محتويات الغرفة؛ سريرٌ حديدي، خزانةٌ قديمة، كرسيّ هزاز. ثم أمعنت النظر بسلّة تحوي خيوط حياكة، عندها أصابها شكّ بأن هذه ليست غرفتها، فاللون الأزرق كان عدوها من بين الألوان.

ارتمت على السرير محاولةً استيعاب ما يحدث، ومعرفة سبب وجودها هنا.

ما تذكره أنها كانت صبية مفعمة بالشباب والحيوية والأنوثة تلاحقها النظرات أينما حلت.

وبالطبع تذكر الانعكاس الغريب لوجهٍ رأته للتو.

بدا الارتباك بادياً عليها.

صرخاتٌ تعالت في نفسها علّها تسترجع حياتها التي شذّبها الزمن ولم يبقَ منها إلا الأطراف.

سيلٌ من الذكريات اجتاح عقلها.

نعم لديها أبناء.

ولديها زوج..

لكن أين هم؟

زوجها تزوج وكأنه يكافئها بزواجه من شابة عمرها عشرون سنة، أي ضعْف السنين التي قضياها معاً.

لكن ما هذا المكان؟

تذكرت!

دارٌ للعجزة أودعها أولادها فيه.

تساقطت دموعها شاقةً طريقها عبر تجاعيد وجهها المتعب حزناً على حالها.

أحست بمرارة الجحود والخذلان ونكران الجميل.

ومضات كثيره بدأت تتوهج، عن حياتها، عن زوجها، عن أولادها.. كل تفصيلٍ عن طفولتهم.. كم كانوا متعلقين بها، فكيف استطاعوا أن يتركوها هنا؟

فجأة، عمّ الصمت وخيّم الهدوء على نفسها.

هدأت تساؤلاتها، وما هي إلّا لحظات حتى تسربت ذاكرتها حاملةً معها حزنها كما يتسرب الماء من بين الأصابع..

دخلت المشرفةُ لتخبرها أن موعد الغداء قد حان.

نهضت بخطواتٍ بطيئة، ارتدت وشاحها الأزرق ومضت!


لا يوجد تعليقات
 

الاسم  
البريد الالكتروني
نص التعليق

الرجاء النقر على المربع في الاسفل
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ويحتفظ موقع 'عمان اليوم' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ، ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة او خروجا عن الموضوع المطروح
جميع الحقوق محفوظة لموقع "عمان اليوم"
لا مانع من النشر والاقتباس شريطة ذكر المصدر