محاكمة الوطن
2017-03-11 2:09 PM : التاريخ

عمان اليوم -
شبلي المناعسة العجارمة

يا أبت الوطن، رأينا عنك في أحلامنا رؤيا يوسف عليه السلام ، فكانت سبعك العجاف أطول من أعمارنا وأبعد من كل أحلامنا، وأخذ كل إخوتنا الذين فسدوا وأفسدوا أخذوا قميصنا ولحمنا ولم يعيدوا لنا جلودنا لتحمل عظامنا إلى مقابرنا، ورمونا في بئر سحيقة ولم يأت سيارة ولم يذهب يعقوبنا علينا حسرة ولم تبيض عيناه من الحزن ولم يشمم ريح شواط جلودنا في مذبحك الخلفي، لكنك يا سيدي الوطن كنت تحلم بسكين إبراهيم عليه السلام فقلنا لك افعل ما تؤمر ستجدنا إن شاء الله من الصابرين، فجززت كل أعناقنا حتى استحللت رقاب الصبية والنساء، ولا زلنا نرقب الكبش الأملح يفتدي رقابنا وقد احمرت سكينك يا وطني وطالت من شرب دمائنا وتضخمت ولكن الكبش تأخر في مراعي البنك الدولي ولن يصل، آه يا أبت الوطن سنحاكمك على كل ما أخذت وبكل ما أعطينا سنحاكمك على كل شيء وعدتنا به ومنيتنا ولم يصل.

أوهمتنا أنك جبال من سكر وصحراء من العسل فوجدناك حنظلا غص في حلوقنا وشوكا متيبسا يدخل أجوافنا ويحترق الف مرة ومرة، قلت لنا احملوني في قلوبكم وأحملكم وقلوبكم لكنك يا سيدي الوطن حملتنا لحتوفنا وموتنا وهلاكنا فما أعطيت لنا إلا مقابر مطرودة في زوايا ترابك المهملة، بعناك الانتماء بعدد ذرات ترابك وأعداد حصاك وحجارتك فأعطيتنا الثمن بأننا صرنا أشياء لا تذكر  وجزأتنا لفئات وفتات يقتتل في الليل الأسود على حاويات القمامة في أحياء الأغنياء أشباحا تطارد كلاب الليل نبحث عن صفيح الطعام المعلب الثمين وخبز لا يحمل تاريخ الإنتاج أو الانتهاء، وفريقا يحرسون ناطحات السحاب التي شربت من دمائنا ومن حليب أطفالنا فكبروا أبنائنا في الليل ونحن ننام بالنهار كي نحرس كل حيتانك وسارقيك.

هل رأيت بما سنحاكمك على معادلتك المكسورة الجائرة سنحاكمك على موتنا وحياتهم من هم؟ أنت تعرف من نحن ومن هم.

هم الذين باعوا هواك الذي لم يستنشقوه وماك الذي لم يخرجوه  من عرق جباههم ،وتراب فوسفاتك واسمنتك ولم يحرسوه أو يخضبوه بدمائهم، فحين تصبح يا سيدي الوطن آكلا للحومنا سيمسي الانتماء لا معنى له، وحين تمسي يا يعقوبنا جلادنا الذي يسلخ جلودنا بتطنيشنا والمراهنة على صبرنا الذي تبخر سيصبح الولاء بالنسبة لنا كسرة خبز حافية القدمين وظلا يؤي رؤوسنا لا معنى لطوله وعرضه لو كان علبة كرتون ممزقة، ماذا تريد من شعب تحول من شجرة مورقة وارفة الظلال إلى جذوع تأكلها مناشيرك الظالمة كل حين ولحظة،وتهاوينا كأعجاز نخل خاوية.

أدنينا لك البعيد يا وطني وأقصيت منا كل قريب، ففصلت بين قلوبنا وأجسادنا وعقولنا، رويناك حبا ودما وتضحيات، وأظميتنا وهما وسرابا وزوابع، كحلنا عيونك من محاجرنا قصورا للأقطاعيين وسفيت في عيون تضحياتنا رمادا وفلفلا وهجير، أعطيناك كل ما وجدنا عليه أباءنا وأخذت أنت أيها الوطن كل ما تركنا أو حلمنا أن نترك لأبنائنا، غرسناك حقولا خضراء فتركتنا صحراء دهناء متفحمة.

 يا سيدي الوطن في العطاء والأخذ كرم المعطي وفقه الآخذ أين فقهك فقد أكرمناك حتى مات حاتم الطائي ألف ألف مرة، وما بين صفر الموت والتمويت والقيمة السالبة للجوع والتجويع وقيم الجور الضخمة فراغ يضيع فيه الأفق ويتبخر فيه المحيط فأين نحن تعتقد أن نكون، طوقناك بأذرعنا وأعيننا، وضممت ظهورنا بخناجرك التي أكلت كل أحشائنا الخاوية على جنوبها، خلدناك وأهلكتنا فهل تعتقد يا سيدي الوطن أن لك معنى بعد هلاكنا وموتنا وذلنا، ستصبح رقعة من الجغرافيا لا الديموغرافيا، تراب وظاهرة كونية تعاني الموت تلو الموت، فهل لك صوت وقد أكلت كل السائرين في أثيرك والتهمت كل عمالك وحرسك وجنودك ومدرسيك، ماذا سيفعل بك الاقطاعيون الذين اتخذوك مزرعة ومنجما وملهى ولحما  وناطحات سحاب ونمر حمراء على سياراتهم الفارهة ودخولهم الفلكية وسرقاتهم المبررة بشريعة غابك وغياب يعقوبك.

       قف خلف قضبان الاتهام فطالما حبسني ضميري وديني وخلقي ومحبتي لك طالما احتبستني هذه الأشياء خلف قضبان الحرمان والجوع والذل والموت، لأنني لا أراك الآن  إلا قسطا مدرسيا مكسورا، لا أراك إلا ربطة خبز مدعوم بطحين أمريكا واسطوانة لحم مجهولة اشتريتها ككذبة لألهي بها أطفالي،ما أنت إلا قميص من البالة الأوروبية أو مدفأة من سوق الحرامية يوم الجمعة،أنت زجاجة ماء فارغة أعبىء بها لتر بنزين مهرب لسيارتي الخردة المقطوعة أنت قسط جامعي حار جدا في جيبي كي أرفد سوق بطالتك بمتعطل عن العمل بدماء جديدة.

       سأحاكمك بكل الأمنيات والأحلام والحرمان، سأحاسبك على مراري وشوك عيشتي وجهنم بيتي التي خلفها لي ولشعبي الكادح  من أكلوك لحما وتركوك لي سياج شيك وحجارة،سأعدمك على حبل غسيل استأجرته من زوجتي أرجوحة لأطفالي على التينة المسكينة،سأقذف بك على طبق الورق الطائر بألوان علمك المقدس في يد أطفالي، سأرجمك بحسرات طفولتي وكذبات شبابي ويأس كهولتي

 


لا يوجد تعليقات
 

الاسم  
البريد الالكتروني
نص التعليق

الرجاء النقر على المربع في الاسفل
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ويحتفظ موقع 'عمان اليوم' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ، ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة او خروجا عن الموضوع المطروح
جميع الحقوق محفوظة لموقع "عمان اليوم"
لا مانع من النشر والاقتباس شريطة ذكر المصدر