العرض التونسي «الأرامل».. المرأة ايقونة النضال
2018-04-30 12:55 PM : التاريخ

عمان اليوم
عمان اليوم -

يؤكد صوت القطار القادم من بعيد وتوقفه في مكان الحدث ونزول الجند منه في بداية العمل على حالة الاحتلال والاستعمار الذي يجلب معه الدمار والموت ويؤسس لحالة البؤس والخراب، التي تستمر طوال فعل المسرحية التونسية «الارامل» للمخرجة وفاء الطبوبي، التي عرضت ضمن فعاليات مهرجان ليالي المسرح الحر على مسرح مركز الملك عبدالله الثاني في الزرقاء، لتمثل الثيمة الرئيسية لها وتتفرع منها مجمل المعالجات الحوارية والرؤية الاخراجية لمجمل العمل.

في النص المأخوذة عن رواية «الارامل» للارجنتيني الاصل ايريل دورفمان، تستعير كاتبة ومخرجة العمل وفاء الطبّوبي بعض الاجواء الملحمية للقصة الاصلية وتحاول ان تصنع منها حدثا محليا يتقاطع مع الحالة التونسية الراهنة لتقدم من خلاله ادانة واضحة لما يتعرض له المجتمع التونسي من ثقافة مضادة تمثلت على خشبة المسرح في التضاد الواضح بين اللونين الابيض والاسود الذين طغيا على سينوغرافيا العمل وسط حوار تشابكت فيه الاحلام مع الاحزان وتعالقت فيه القيم العليا مع القيم الدنيا، لتظهر مأساة وطن من بين انقاض ثلاث نساء ظهرت خلال العمل اكثر التزاما بالقيم من الرجال.

ووسط السخرية من الموت والحياة ومن الحب والكره ومن السلطة وقدرتها على القمع تحضر فكرة الفرح بكل قدسيتها فتضحك الفتيات بشكل يؤكد اهمية مواجهة هذه القتامة بشيء من الفرح، التي تستعيره الفتيات من الذاكرة: «بحارة بحارة في مراكب سيارة، والموج عالي والدنيا دواره».

وتؤكد قصة العمل التي تمثلت في ثلاث فتيات احداهن تنتظر والدها الذي قاوم السلطة والحاكم الدكتاتور ليختطف ويسجن ويموت وترمى جثته في البحر وجسدتها الممثلة نادرة ساسي، والثانية التي تنتظر شقيقها الذي سقط في شرك احدى المظاهرات دون سابق تخطيط فسجن وقتل ورميت جثته في البحر وجسدتها الممثلة فاتن الشوايبي، والثالثة وهي اكبرهن سنّا تنتظر زوجها الذي خطف وقتل ورمي في البحر وجسدتها الممثلة نادرة التومي، لتجد كل واحدة منهن عناوين مختلفة لسرد ذكرياتها وتصب جام غضبها على واقعها وتحلم ان تغير هذا الواقع، لتكتشف كل واحدة منهن وهم نضال من تنتظره فيصرخن في وجه هذا الزيف الذي يلف العالم ويقتل مستقبله.

في هذا العمل الذي كشفت الاضاءة فيه عن حالة صدام مخيفة تجتاح عوالم كل واحدة من نساء هذا العمل، فاسهمت في تكثيف الوجع، وتشظّي الحالة الواحدة الى عشرات الحالات، أكدت كل حالة من هذه الحالات الثلاث ان معاناة النساء من المحيط الى الخليج تختلف في التفاصيل لكنها تلتقي عند عناوين عامة.

وقد تألقت الممثلة نادرة التومي في تجسيد الصراع الداخلي العميق في نفسية الشخصية التي ظهرت وكأنها تتحمل كل الاوجاع والالام والمخاضات حتى من تلك النساء اللاتي شاركنها الانتظار والخوف وكأنها تجسد شخصية الام او الوطن التي تؤنب كل مدعي النضال وحب الوطن، لتعود هذه الفتيات وتعتذر منها وتؤكد صدق ما قالته.

ولم تكن الممثلتين نادرة ساسي، وفاتن الشوايبي اقل قدرة من نادرة التومي على تجسيد ادوارهن فقد صنعت كل واحدة منهن لوحات عميقة تجلت في حوارت اكثر عمقا وتماهت مع سينوغرافيا عالجت بوعي اللون والضوء في مكان بدأ اكثر وحشة وفراغا، وأعمق دلالة على غياب الذكورة الا في مكان البطش والقمع والنضال الواهم، في حين صمدت المرأة وتمسكت بقيمها لتبقى ايقونة نضال.


لا يوجد تعليقات
 

الاسم  
البريد الالكتروني
نص التعليق

الرجاء النقر على المربع في الاسفل
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ويحتفظ موقع 'عمان اليوم' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ، ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة او خروجا عن الموضوع المطروح
جميع الحقوق محفوظة لموقع "عمان اليوم"
لا مانع من النشر والاقتباس شريطة ذكر المصدر