"لبؤة عمان"
2018-02-16 4:37 AM : التاريخ

عمان اليوم -
خليل النظامي

هناك إحداث وقضايا نشاهدها يوميا تضع القلم في حيرة من أمره, فتجده تارة يكتب بكل شجاعة وأخرى يصمت بشكل رهيب, تارة يعتصره الألم والحزن ويريد التحول الى سيف يجزّ رقاب كل المتجبرين, واخرى تجدة ضعيفا هزيلا قد جف حبره من شدة وقع الحدث عليه, وهذا ما قد حدث مع قلمي اليوم حين سمعت صيحات تلك اللبؤة التي تخطت كل الحواجز والأعراف وقاتلت الظروف بكل بسالة, وسقيت شوارع عمان من عرقها, نعم انها "لبؤة عمان" وكم لبؤة فيك يا وطني لم ترصدها عدسات الكاميرا وأقلام الكتاب.

لبؤة يتيمة منذ صغرها تقاتل الدنيا بشراهة, لم تستسلم يوما كما فعل غيرها من الذكور, ألقت بكل رغباتها بعيدا, وافترشت الشقاء سجادة لطريقها, وجعلت من الصبر غطاء لها في ليالي الحرّ الشديد والبرد القارص, تعتاش من شرب المعاناة, وتنام وتصحو على صيحات الحرمان, تخوض معارك الدنيا بكل شجاعة لوحدها بعد أن تم هجرها, غير آبهة إلا الحفاظ على ثماني أشبال لتربيتهم التربية الصالحة وإطعامهم بما قسم الله من رزق حلال لا شوائب فيه.

"أم رامز" يا أغنى من ساكنات القصور والفلل, ويا من يجب على الرجال أن يخجلوا حين يقفون في حضرتك, صدقيني أن تراب الوطن الذي تعفر وجهك به أنبل وأجمل من كل المساحيق, اسمحي لي أن أطلق عليك لقب "لبؤة عمان" التي اسمرت وجنتيها من شمس عمان, ورويت شوارعها من عرق شقاؤك, وكما قال المتنبي : "وما التأنيث لاسم الشمس عيب ,,, ولا التذكير فخر للهلال", فأنتي قصة كفاح ونضال وفخر مليئة بالشرف والعطاء وشعاع أمل يسقط على بيوت الفقراء, وسيف بتار يصعق رقاب المخمليين والمتجبرين على قوت المساكين.

وفي الوقت الذي ينادي به سيد البلاد بالحفاظ على الطبقة المتوسطة والفقيرة نجد الكثير من سلوكيات من يحملون صفات رقابية وتشريعية قد ماتت بداخلهم الرحمة وميزان العدل الاجتماعي وترحموا على روح القانون, يقومون بانتهاج سلوكيات تغضب خالق الكوكب قبل أن تغضب صناع القرار من الشرفاء في الأردن, في وقت يقوم أحرين بتقديم الأقداح وسهرات الوناسه لهم للتغطية على تجاوزات قانونية ودينيه ودنيويه, فأي عدل هذا وأي ميزان اجتماعي وتشريعي تحاولون تطبيقه.

وبعد المرارة يخرج علينا أحدهم يبرر جريمة اجتماعية بكلمات منتقاة من احد مستشاريه, ومن هناك آخر قام بتحريك جيوشه لنصرة تلك المرأة طالبا الاستعراض ومتسلقا على أوجاعها, وما بين هذا وذاك اشتعلت نيران الآخرين بين غاضب وشجاع وجبان ومنافق ومخادع ومتسلق ومتملق, ولكن السؤال الذي لا ينفك أن يغادرني أين كان كل هؤلاء حين كانت تلك المرأة ومثيلاتها من الفقراء والمساكين يصيحون ليلا نهارا ولا يسمعون إلا صدى أصواتهم,,,؟

إنها ديكتاتورية من كوكب اخر جلبت, قمع لم تشهده كتب التاريخ, ورأس المال سيد الموقف, وعصا السلطة تدوس دون تدبير, وأرملة هناك تصيح أغيثوني, وطفل ينادي من بعيد اريد مستقبلي, ومتعطل عن عمل يبكي على حافة الرصيف, وطالب علم بات اليأس يأطره, وقرية خاوية مظلمة معتمة ساكنة لا مال ولا جمال باهتة ألونها تبحث عن نقطة ماء تروي ترابها لتنبت قمحا وزهورا.

بحثت في كل الشوارع المعتمة والمضيئة علني أجد مفردات في اللغة تصف ما اشعر به في وطني, حتى خرجت بخلاصة إن ما فصل لنا ككادحين تجاوز بحور كل اللغات ولم تخلق مفردات لوصفه بل خلقنا لنعيشه فقط, متعب ومرهق أنا, وابحث عن السعادة في وجوه شاحبة لم يعد لها رغبة في الاستمرار, شباب ضائع وتائه, ومسن يناجي ماضي تقادم عهده, ومسنة تغزل من كلمات البؤس شعر تواسي به أطفال القرية, وفتاة حالمة أن تصبح فراشة تطير فوق روائح الزهور تصعق بسوط يعيدها للعصور الجاهلية.

لقد قتلتم العقول بالتقنين, وأفرغتم حبر القلم بالسلطوية, وهمشتم أصوات الملايين بدافع الأمان, واستبحتم ضمائر الأحرار, وأوكلتم المهام للمجرمين, والمشجعون كثر ومطبعين, والمطبعون من أبناء النخب, والنخب أسياد للعبيد, والعبيد مجرد حشرات, والحشرات يجب أن تقتل.


لا يوجد تعليقات
 

الاسم  
البريد الالكتروني
نص التعليق

الرجاء النقر على المربع في الاسفل
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ويحتفظ موقع 'عمان اليوم' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ، ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة او خروجا عن الموضوع المطروح
جميع الحقوق محفوظة لموقع "عمان اليوم"
لا مانع من النشر والاقتباس شريطة ذكر المصدر