سيف الله حسين الرواشدة يكتب : فقه السقوط
2017-10-08 3:42 PM : التاريخ

عمان اليوم -
سيف الله حسين الرواشدة

نحن كغيرنا من الأمم تجد في تاريخنا صفحات مشرقة وأوراقا أخرى ذابلة، ولما كنا في القرن الأخير أمة مهزومة تبحث عن ذاتها، كأي ضعيف يبحث عن بصيص أمل فيما مضى وكان، ليبرر وجوده اليوم بأسباب فعل الماضي، ولهذا هب رواة التاريخ (أظن بحسن نية) يخبروننا ببديع صنع الأجداد وما أنتجت قرائح حضارتنا من منارات تهدي العالم سبيله، وتركوا صفحاتنا الذابلة يتناولها المستشرقون بأقلام تقطر حقدًا وظلمًا لخصم قديم أمسى اليوم من دون حول ولا قوة.

فبين روايتنا الخيالية الجميلة، وبين رواية الآخر البشعة ضاعت دروس تراثنا منا واقتنص المشكك عثراتنا ليجهض مشروعنا الحضاري لصالح المستورد من الحلول لأمراضنا. ولما كان ما أشبه اليوم بالبارحة، كان لا محيد لنا من مراجعة هذه الاوراق الذابلة لنتعلم فقه السقوط منها، ونسقط قوانين البارحة على ما يحمله اليوم من نواميس جديدة للقوة، فنجد لنا بناء جديدًا بروح اليوم وبتنظير عقيدتنا ولباس حضارتنا حتى تستقيم معادلة نهضتنا وصراعنا مع عدونا.
وكما أسلفنا فنحن أحق من غيرنا في الوقوف على تلك الصفحات المظلمات للتدارس وأخذ العبر، ودعونا نبدأ بالغنيمة، وهي بأبسط تعريفاتها: تقديم المصلحة الشخصية المادية البحتة على مصلحة العقيدة المتمثلة بالدولة بإطارها الجامع، وهنا نكون على موعد مع وقفتين:

أولاها: معركة أحد المشهورة وقصة رماتها وإلتفاف خالد حول الجبل الشاهد عليهم جميعا.

وثانيهما: معركة بلاط الشهداء، وقائدها عبدالرحمن الغفاقي، وهي التي بسببها توقف المد الاسلامي على أوروبا، وكانت من عادة العرب أن يصطحبوا غنائمهم معهم، وما أكثر الغنائم بين قرطبة وتور.

وقد تنبه شارل مارتل لهذا وهاجم المفرزة المتأخرة عن الجيش دفاعا عن الغنائم، فاختل نظام المسلمين مع انسحاب فرقهم نجدة للغنائم على حساب تركهم عبد الرحمن و القلب من دون غطاء فكانت مقتلة كبرى، ونهاية لمحاولات اجتياز جبال البرانس، التي منها أتت الجيوش التي أسقطت غرناطة بعد زمن.

أما قصة سقوط الأندلس فيعرف خطوطها العريضة الجميع، ولكن دعونا نتوقف عند مشاهد أقرب ما يكون لحالنا اليوم، فإذا وقفت يا عزيزي معي على أسوار إشبيلة وهي محاصرة ستجد بين الفرق العادية عليها فرقة ترفع رايات المسلمين الغرناطيين، وحجتهم أنهم يهادنون العدو بدعوى التقدم و التطور واللحوق بركب الحضارة، وتخلف أهل إشبيلة وتعنتهم.

وارحل معي إلى أسوار غرناطة نفسها بعد أن سقط وادي آش لما أراد الزغل الاستقلال لا لشيء إلا ليحكم ولو شبرا من الارض، سترسل الرسائل للجميع: أن ادركوا بخيل الله أندلسا، ولن تجد لها منقذا، فغرناطة الساعة تحمل وزرا ثقيلا، وزر المعاهدات التي قدمت بموجبها ذهبها وقلاع جيان وجابر والحجر ثمنا للبقاء دون الأخوة، ووزر أمرائها الامويين الذين ارتضوا أيام هشام الضعيف بعد أيام العروس مع الحكم والناصر باقتسام السلطة مع الملك المنصور محمد بن أبي عامر (مع ما للرجل من مناقب) ولم يعوا أن السيادة لا ينزل عن جزء منها إلا تذهب كلها، ووزر ملوك الطوائف من بعد العامريين لما نزعوا وشائج العقيدة الجامعة وأبدلوها القومية العربية والبربرية والصقلبية.


ووزر علي بن يوسف بن تاشفين، الذي أحرق كتاب (إحياء علوم الدين) للغزالي بقرطبة لأنه رضخ لعلماء القصور الذين هجروا القرآن وكفروا المخالف لهم بالرأي وأغلقوا أبواب الاجتهاد، فأبدل نصر أبيه في الزلاقة لما جمع الملسمين مع ابن عباد ليكون الله أكبر ويكون المسلمون تحت راية جامعة، بفرقة في المغرب لتكون دويلات لا تريد إلا بقاءها، وهي من دون عقيدة ولا حضارة فالسيف وحده لا ينقش لنا خبرا في سفر العلم و البقاء.

 ووزر الخلافة الأموية التي حملت العرب على رقاب الناس ونسيت أن المسلمين سواء، ووزر العباسيين الذين ارتضوا بالنزول عن الأمر والحكم بالأسم والدعاء لهم على المنابر فقط، وأن تباشر دول أخرى كالسلاجقة و الحمدانيين و الزنكيين و غيرهم من حماة الخليفة المغلوب على أمره مرة أو المغلوب في حب جاريته مرة أخرى ، كل هذه الأوزار حملتها غرناطة ليخرج أميرها أبو عبدالله الصغير يبكي ملكا بكاه من بعده ملوك كثر.
 
واذا رحلت معي يا عزيزي الى الأستانية التي أرعبت أوروبا لسنوات ستجد التخلف و الغزو الحضاري وعدم الفهم لروح العصر ينهش بنيانها جنبا الى جنب مع ما أحيته الدونمة في أهل البلاد من نعرات عرقية من الاتراك أنفسهم الى كل من يسكن البلاد حتى كان سبب القوة البارحة سبب الضعف اليوم لأننا لبسنا لباس الأمس للغد ( فالانكشارية و النظام الاداري أيام سليمان القانوني كانتا خيرا أيامه ونذير شر على عبد الحميد) وظلم القومية التركية ( جمعية الاتحاد و الترقي) أنسى الناس أخوة الاسلام ولم يبقي لنا مخرجا سوى الانتصار لأنفسنا.

هذه هي مفاتيح فقه السقوط، الخروج عن الاطار الجامع لا لخلاف عقائدي أو رؤية ايدولوجية بل لمصالح خاصة ضيقة وقودها وغطاؤها العرقية والقومية، الغنيمة التي تعمي صاحبها عن راية يكون مجده تحتها وذله بسقوطها، الفرقة، وأن القوة لا تغير مسار التاريخ والاندفاع والعنف لا يصنعان الحضارة، وأن تعزيز الحضارة وتصديرها هو درب البقاء، وأن العقيدة والتنظير المعتمد عليها هو أصل ومنبت الحضارة والسيادة والبقاء فمن دون عقيدة لا قرائح تبدع للحضارة والانسانية. فالقاعدة معلومة لزامًا : أن ما لا سبب لوجوده، ولا واجب لبقاءه، لابد من زواله. ومازال تراثنا و تاريخنا يمتلك من الأمثلة والدروس في فقه السقوط الكثير الكثير.
ولكي لا نقع في خطأ من يريد استرجاع الماضي كما كان معالجًا أحوال الحاضر، فيكون كمن استرجع البدن من دون روح، فلابد لنا من النظر الى نواميس قوة الامم اليوم، ليلعب الاقتصاد دور البطولة في المعادلة، فسقوط الأمم لا يناط بالضعف العسكري أو السياسي، بل بالضعف الاقتصادي، الذي ينوء بحمل أعباء القيادة العالمية العسكرية والسياسية.
فالاتحاد السوفيتي سقط وقوته العسكرية يحسب لها ألف حساب وجبروته السياسي يريع الجميع، والولايات المتحدة صنعت إمبراطوريتها و كسبت الحرب العالمية الثانية لغزارة انتجاها وقوة اقتصادها ومرونته، فحصتها من الانتاج العالمي عام 1870 كانت 8.8 بالمئة وفي عام 1913 كانت 19 بالمئة وارتفعت عام 1950 الى 27 بالمئة والصين اليوم تصعد وتحوز اهتمام العالم لأنها ستوازي الانتاج الامريكي عام 2025 وستتمكن من ضعفه عام 2050 كما تتنبأ الارقام و الجداول.
إذا كان الماضي يعلمنا أن حجر الزاوية في فقه السقوط فقدان العقيدة، والحاضر يعلمنا أن الاقتصاد هو عنوان بقاء الأمم، ، فلا مناص لبقاءنا من العودة لعقيدتنا وإعمال عقولنا قي مشاكلنا الاقتصادية لنشكل حلولا تنظيرها اسلامي ثوري الفهم، ولباس أحكامها عصري، وأن نفهم عقيدة عدونا جيدا حتى تستقيم معادلة حربنا معه، لنضمن مستقبل أولادنا ونكون حقيقين لخلافة الله في بلادنا، وحتى لا نبكي غرناطة مرة أخرى.
والله من وراء كل مقصد


لا يوجد تعليقات
 

الاسم  
البريد الالكتروني
نص التعليق

الرجاء النقر على المربع في الاسفل
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ويحتفظ موقع 'عمان اليوم' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ، ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة او خروجا عن الموضوع المطروح
جميع الحقوق محفوظة لموقع "عمان اليوم"
لا مانع من النشر والاقتباس شريطة ذكر المصدر